عبد الملك الجويني
84
نهاية المطلب في دراية المذهب
فأمّا الاستقبال عند التحرّم ، فالذي قطع الأصحاب به وجوبُه ؛ فإنا إذا أوجبناه عند الركوع والسجود ، فنوجبه في العقد ، وكذلك يستقبل في قعوده متشهداً ؛ لمكان لبثه ، ثم يكون مستقبلاً حتى يتحلل عن صلاته ، ولا وجه إلاّ هذا . فأمّا إذا فرعنا على تخريج ابن سريج ولم نوجب اللبث في الركوع والسجود والقعود ، فلا نوجب استقبال القبلة عند إقامة هذه الأركان ؛ فإنه يأتي بها مارّاً ، فليستقبل صوبَ سفره ، كما يفعل ذلك في حالة القيام . ثم إذا انتهى إلى القعود ، فلا يومىء إليه إيماء ، ولكن يومىء بالسجود ، ثم يعتدل قائماً ، ويأتي بالتشهد ، فيقع القيامُ بدلاً عن القعود في حق الماشي ، كما يقع القعودُ بدلاً عن القيام في حق العاجز المفترض . ثم هذا الفصل سيأتي مشروحاً في أن من عجز عن الحركات في صلاته المفروضة ، فهل عليه أن يمثل الأركان في قلبه على صورها ؟ وسنذكر ذلك - إن شاء الله - في موضعه . وإذا كان كذلك ، فهل يستقبل عند التحريم ؟ التفصيل فيه كالتفصيل في الراكب الذي بيده زمام راحلته ، وقد مضى ذلك . ثم إن أوجبنا الاستقبال عند التحرم ، فهل نوجبه عند التحلل ؟ فيه وجهان ذكرتهما في مالك الزمام . فهذا تمام الغرض في تنفّل الراكب والماشي . 729 - ومما يجري في فكر الناظر ، أن الراكب لو أوطأ فرسَه نجاسةً ، فلا بأس عليه ، فليس المتنفل مؤاخذاً بطهارة الدابة ، فكيف يؤاخذ بطهارة موطئها ؟ نعم ! ينبغي أن يكون ما يلاقي الراكبَ وثوبَهُ طاهراً من السرج وغيره . فأما الماشي إذا مشى في نجاسة قصداً ، وكان له مندوحة عنه ، فالذي أراه : الحكمُ ببطلان الصلاة . ولست أرى عليه أن يتحفّظ ، ويتصوّن من ذلك ويرعاه ؛ فإن كل رخصة متعلقة بما يليق بها من الحاجة ، والطريق تغلب فيها النجاسة ، والتصوّنُ منها عسر ، ورعاية هذا الأمر يُلهي المسافر عن جميع أغراضه في السفر ليلاً ونهاراً .